الصوتُ ورائحةُ الشعر

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 29 مايو 2021 - 9:34 مساءً
الصوتُ ورائحةُ الشعر

 عمار ابراهيم عزت
يعد الموروث الشعبي رافدا مهما للثقافة في معظم المجتمعات القديمة والحديثة، فهو مكون أصيل من مكونات الهوية الثقافية والمجتمعية والوطنية، اذ تعرف الشعوب بفولكلورها وبرقصاتها واهازيجها وغنائها وعاداتها، وايضا بلهجاتها الدارجة (العامية) المحملة بطبقات شتى متراكمة، يترسب فيها الوعي الجمعي والفردي ثقافيا كان ام سياسيا واجتماعيا ودينيا، فلا تخلو لهجة من اللهجات من الحمولات المعرفية والفكرية والعقلية، كما لا تخلو من الدفق العاطفي والانفعالي فضلا عن وظيفتها في الفعل التواصلي.
ربما كان هذا التصور او غيره دافعا حثَّ الشاعر عباس ريسان على مقاربة الشعر الشعبي، وربما أنه يرى في القصيدة الشعبية امتدادا للقصيدة الفصيحة أو انها فرس الرهان الرابح كما يشير في المقدمة بعدما تنازل الفصيح عن كرنفاليته وحضوره في الاحتفالات والمناسبات والمهرجانات العامة، ليفسح المجال لشعر تنتقل بسلاسة معانيه ومقاصده من ذهن الشاعر الى جمهوره تاركا ابلغ الاثر في نفسه، وربما نعزو تراجع الفصيح الى نخبويته والى صفيته (من الصف) فهو لغة الثقافة العليا ولغة المؤسسة، وربما هو انتصار للهامش الشعبوي عبر لهجته على الفصيح لغة الدولة والسلطة والاعلام وما مارسته السلطة قبل 2003 من منع للشعر الشعبي او أدلجته لتحتكره، فيكون رافدا لدعم ايديولوجيتها وحروبها ولمدح قائدها الضرورة مع هامش بسيط تحرر من سطوة ذلك النظام.
لقد سجل الشعر الشعبي حضورا فاعلا بعد 2003، فهو فضلا عن جمالياته التعبيرية كان صوتا معبرا عن المحنة التي نعيش وصوتا للقضية التي نؤمن بها ونبضا متدفقا للوطنية ومحركا فاعلا في دعم القضايا المصيرية للأمة كما في حربنا على عصابات داعش الارهابية وهو السوط الاشد وقعا ولذعا للسياسة وللسياسيين على حد سواء، نتلمسها بأساليب السخرية والهجاء والنقد الذي تزخر بها القصيدة
الشعبية.
سعى عباس ريسان في كتابه الاول (الصوت ورائحة الشعر) الى مقاربة تجربة الشاعر الشعبي مرتضى حرب.. اما لماذا مرتضى حرب؟ يجيبنا عباس ريسان بقوله «وجدت فيه ما يشبع رغبتي بالاستماع مالئا جعبتي بكل ما هو جديد» فضلا عن امتلاكه ثنائية (الشعرية والصوت).
يتناول الكتاب تجربة حرب من جوانب شتى منها ما هو موضوعي (القصيدة الحسينية) ومنها ما هو نفسي وانفعالي (وجع الفراق المر) او (الألم يصفق والغياب يرقص) مثالا بعيدا عن التنظيرات والتعقيبات النقدية فكان الكتاب واصفا للتجربة لا ناقدا
لها.
اما كتابه الثاني (الشعر والوعي الشعبي) عن دار المالكي ايضا فهو قراءة لتجارب شبابية طرقت ابواب الشعر الشعبي، منهم من سجل حضورا على مستوى العراق مثل ايهاب المالكي ومنهم من كان حضوره محليا، من دون انتقاص من تجاربهم الشعرية وقد كان عددهم ( 20 ) شاعرا هم على التوالي ( ايهاب المالكي، احمد الهلالي، حيدر هاشم، نور السامرائي، ضياء المياحي ومحمد الجراح، حيدر الحمداني، علاء الموسوي، كاظم شاكر، ميثاق الهلالي، احمد خليل، عباس الغالبي، عمار الموسوي، علي الملا الخزاعي، عبد الوهاب الحمداني، زامل الخفاجي، ميثم الصافي، اياد الزهيري، كرار حسن، سلوان عدنان).
ويعد هذا العدد عينة او بالأحرى مقطعا تشريحيا لحركة الشعر الشعبي فقد انتقى عباس ريسان هذه العينة من كم هائل من الشعراء الشعبيين الذين تناموا وانتشروا حتى تحول هذا الميل الى كتابة الشعبي ظاهرة تستحق الوقوف عليها وعلى اسبابها ومبررات وجودها والعوامل او الدوافع في تناميها، ويتساءل ريسان عن سر هذا الانتشار العائد الى الامية الثقافية التي يمر بها البلد ام الى الضياع الداخلي الذي يعيشه الانسان العراقي عموما؟ (الشعر والوعي الشعبي ص9)
ولأن الشاعر الشعبي هو صوت العشيرة وديوانها فقد ارتبط في المجالس والمناسبات الاجتماعية المفرحة والمحزنة على حد سواء، عبروا فيها بهوساتهم واهازيجهم عما يجول في صدور ابناء العشيرة في مجتمع يغلب عليه الطابع القبلي وبالأخص بيئة الجنوب، فهو في النزاعات لاستنهاض الهمم وهو في الدعة والسلام فاكهة المضيف يتسامرون ويتناقلون ويتبارون شعرا.. وكم تختزن ذاكرة الشعر الشعبي من دارميات وابوذيات واهازيج ظلت خالدة وحاضرة في ضمير
 الأمة.
لقد ركز عباس ريسان في دراسته لكل شاعر على ثيمة محددة، ثيمة المكان عند ايهاب المالكي مضيئا جوانب فنية في شعرية المالكي «إنه ذو قيمة فنية عالية، مفرداته قابلة للتأويل والتمدد، تحاكي الواقع المعاش والبيئة التي ينتمي اليها، دون التعكز على مفردات هلامية نافرة للمتلقي، فضلا عن ذلك غوصه الدؤوب في البحث عن لآلئ الصور الشعرية الفريدة والمختلفة البراقة، وهذا ما جعله مقبولا لدى الجميع على اختلاف اذواقهم وثقافاتهم» (ص19).
في حين ركز على ثنائية (الماء – التصحر) في شعر حيدر هاشم اذ يقول :» تستفيق ذاكرة الجفاف فتنمو في جسد الصحراء لغة العطش ويأتي من كل الجهات صوت لشفاه تشبه التراب الحالمون بقطرة ماء الواقفون على تلال الوهم السائرون بلا توقف نحو بئر الاشتهاء والطمأنينة أولئك هم ابناء الغمام» ( ص32).
ولم يغفل ريسان ان يترك في كتابه هامشا صغير للشعر النسوي فقد درس تجربة الشاعرة نور السامرائي وبرر الكاتب قلة الشواعر بقوله: «إن حمولة الشعر ثقيلة عليها ولا تستطيع تحمل عبئها كما يعتقد المنتقدون ونتيجة لذلك فان الشواعر غير متفرغات في الاصل وكتابة الشعر تحتاج الى متفرغين ومستقلين» (ص39) فضلا عن ذلك «خوف اي شاعرة من الوسط الشعبي جعلها تبتعد كثيرا للسمعة السيئة التي صنعها بعض المتطفلين لهذا الفن الراقي والجميل» (ص40).
اما الشاعر كاظم الخفاجي فقد درس الكاتب قصيدته الغزلية «فالشاعر المتيم بلا عذابات لا يخلق قصيدة» (ص75).
في حين ركز ريسان على حالة الضياع عد الشاعر ميثاق الهلالي «فميثاق هو الشاعر الذي بيديه مفاتيح اللغة وراية المفردة انه يتفجر شاعرية ويتفتح بالصور الشعرية والبلاغية كما الوردة بعطرها ربيعا» (ص79).
اما الشاعر احمد الخليل فهو» الباحث عن لحظات لخنق رئة الحزن»(ص86) ، والشاعر عباس الغالبي هو:» الغيمة التي ما انقطعت عن النحيب وذاكرة الوجع المغطى بالحنين» (ص92) والشاعر عمار السعيدي يعرض في شعره «بوليفونية الذات ومونوفونية الرغبة فهي اشبه بانكسارات في طين الروح»
(ص105).
لم يقتصر ريسان في كتابه على البحث عن الجوانب النفسية والانفعالية فحسب، بل ذهب بعيدا الى جوانب تقنية وظفتها القصيدة الشعبية منها المنحى القصي الذي نسجت على منواله عشرات القصائد، وقد كانت تجربة الشاعر علي الملة الخزاعي مثالا صالحا لدراسة مثل هكذا توظيف في نصوصه، ويعزو اهمية هذا التوظيف في اثره عند المتلقي.. يقول ريسان: {القصيدة التي يتداخل فيها السرد القصصي وتأتي على شكل حكاية تجعلك لا ترمش وانت تتبع احداثها بشغف، منتظرا الى ما تؤول اليه النهاية وما الشكل الابداعي الذي رسمه وتوصل اليه الشاعر}
(ص114).
هذه بعض الثيمات التي وقف عندها ريسان في تجارب الشعراء، عنيت اغلبها بأثر الذاكر وحضور الماضي وتجسده في اللحظة الحاضرة وفي صبغة الحزن بوصفها سمة طاغية في نتاج اغلب الشعراء الشعبيين، ولعل ذلك ما جعله يصف القصيدة الشعبية بأنها مرارة وموت حقيقي عند الشاعر الحقيقي، القصيدة ولوج متكرر ومستمر في مضامير الدهشة والذهول، القصيدة شراع لسفينة الابداع، القصيدة مرآة لا تكذب ابدا، القصيدة رب يحتاج الى رعية واعية ومؤمنة، القصيدة ان تقول للكلام كن فيكون، ان تغتصب المشاعر والاحاسيس لا ان ترمقها بنظرة فقط وتغيب، القصيدة نطفة طاهرة من اب شرعي.
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة عكد الهوا الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.