جنون “ماكبيث”.. نتاج للشعور بوِزر خطيئة خيانة الأمانة

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 10 مايو 2019 - 5:32 مساءً
جنون “ماكبيث”.. نتاج للشعور بوِزر خطيئة خيانة الأمانة

يندر أن نجد في السنوات الأخيرة ممثلاً (نجماً) أوروبياً وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة، في قمّة الإنجاز، كماً وكيفاً، كما هو الحال بالنسبة للممثل الآيرلندي (ألماني المولد) مايكل فاسبيندر . فبعد نجاحه في أداء دور الاقطاعي والنخّاس العنيف في فيلم (عبدٌ لاثنتي عشرة سنة)، عاد ليؤدي أدواراً هامة وضعه بعضها على مقربة كبيرة من جوائز الأوسكار، وأدواراً أخرى ستدخل ضمن قائمة الأفلام الهامة منذ مطلع القرن.

ويبدو ان مايكل فاسبيندر قد صار «علامة الجودة» في الأعمال التي يشترك فيها كما هو الحال بالنسبة لفيلم «ماكبيث» الذي ختم به مدير مهرجان «كان» السينمائي الدولي برنامج الدورة الماضية والذي أدى فيه فاسبيندر، تحت إدارة الأسترالي جاستين كورزيل، إلى جانب الفرنسية الحسناء ماريون كوتّيار، دور «ماكبيث» المقتبس من مسرحية وليم شيكسبير الشهيرة.

موت ورماد بسواد الحديد
في مفتتح الفيلم ثمة رمادي أقرب ما يكون إلى السواد، مغلّف بظُلمة النهار حين تغطي وجه الشمس غمامات ثقيلة وسوداء، في هذا الطقس وفي هذا المشهد الذي انتشرت في ارجائه مجموعة من النساء اللاتي يبدين وكأنهن خرجن من أقبية سجون نساء قرون غابرة، يبني المخرج الاسترالي جاستين كورزيل مشهد انطلاق فيلمه «ماكبيث» المقتبس من نص وليم شيكسبير، واسند بطولته الى النجم مايكل فاسبيندر، الذي ربما يؤدي في هذا الفيلم أحد أفضل أدواره على الإطلاق، إلى جانب المبدعة، ومتعددة المواهب ماريون كوتيار، والتي عادت الى «كان» بعد عام واحد من حضورها اللافت في الدورة السابعة والستين في فيلم «يومان وليلة» للأخوين جان بيير ولوك داردان.
فاسبيندر وكوتيار هما في الفيلم السير والليدي “ماكبيث”.
نقطة الضوء الوحيدة في مشهد البداية ذاك هي بياض الكفن، الذي يلتمع بحيوية تُناقض الموت، في الثوب الابيض الذي أُلبس به جسد الطفل المُسجّى. إنّه ابن الماكبيثين الذي رحل قبيل اجتياز مرحلة الطفولة، وسيتحول الى رماد بعد ذلك بقليل بعد ان يضع الأب المكلوم حصوتين على عينيه الموصدتين، فيما الأم، كمريم العذراء، تقف مغلوبة على امرها خلال صلب ولدها يسوع المسيح.
إنها اللحظة التي تُبارح فيها «الحياة» سقف ماكبيث، وهي ذات اللحظة التي يقرّر فيها شيكسبير، وبالتالي، المخرج الاسترالي جاستين كورزيل، بأن سلالة ماكبيث آيلة الى نهاية، لاسيّما وأنْ لا وجود بعد هذه اللحظة لمن سيحمل هذا اللقب ويُطيل أمد وعمر سلالة المقاتل المقدام ماكبيث. وعبثاً ما يحدث فيما بعد والبطولة التي يبديها الفارس ماكبيث في مقاتلة الاعداء للدفاع عن عرش مليكه دانكان، فالتراجيديا مكتوبة وهي آيلة الى نهايتها المحتومة، ولن ينفع لقب الدوق الذي يخلعه عليه دانكان لشجاعته وبأسه في الدفاع عن المملكة، في تغيير مسار الاحداث، ويزيد من عمق أزمة البطل أنّ دانكان يُعيّن في الليلة ذاتها ابنه «مالكولم» ولياً للعهد على عرش اسكتلندا، ما يعني بأن سلالة ماكبيث ستنتهي لمجرد سقوط الدوق او لمجرّد موت الملك العجوز، إذْ ليس من المتوقّع ان يُطيل ولي العهد بقاءه ضمن حاشيته، طالما سيشكّل، بقامته وبأسه في ميادين الوغى مرآة مريرة تعكس ضعف وضآلة حجم مالكولم.
وإذاً، ينبغي التحرّك بسرعة واعتلاء العرش في اقصر وقت، واللحظة المناسبة هي الليلة بالذات، حيث سيقيم الملك دانكان ليلة في معسكر ماكبيث.
القصة بحذافيرها معروفة وقد قّدمت المسرحية مئات المرات وقرأها الملايين على وجه البسيطة، وتُرجمت الى افلام من بينها عملان ضخمان من انجاز الكبيرين اورسون ويلز وآكيرا كوروساوا، ومع ذلك فإن هذا النص ما يزال قابلاً للتفسيرات والقراءات المختلفة. يصل دانكان الى معسكر ماكبيث وتُجرى احتفالات ترسيم ولاية العهد والدوقات وتعمّ الموسيقى المكان ويأكل الجميع ويشرب على مائدة واحدة، لكن دون ان يكون شراب بعض الجالسين حول تلك المائدة شبيهاً بشراب آخر، إذْ أنّ في ما يشرب حراس الملك ما يُثقل الدماغ أكثر مما يُثقل البصر، فيسقط حارسا الملك في نوم عميق ما يتيح للدوق ماكبيث تنفيذ ما خطّط له برفقة الليدي، وحين يكتشف الدوق الآخر «ماكدوف» والحراس والقادة والدوقات في صباح اليوم التالي جثة الملك مُضرّجة بدمائه تسود حالة من الفوضى، يُقدم ماكبيث خلال لحظاتها الأولى على اقتراف الخطأ الأول، حين يسارع الى ذبح حارسي الملك الغارقين في النوم. بفعلته تلك إنّما يوحي إلى غضبه إزاء «إهمال» الحارسين في حماية الملك، لكنّه في حقيقة الأمر يسعى إلى إزالة شاهدين محتملين على خطيئته، وبذلك الفعل، الذي يبدو متسرّعاً، يفتح الباب أمام الشكوك والريَب، التي تزداد حين يبقى هو المرشّح الوحيد لاعتمار التاج، كونه اقنع ولي العهد «مالكولم» بالهرب، لأن خلاف ذلك كان سيعني اتهامه بقتل الملك للجلوس على عرشه.

عن الغدر
ليس «ماكبيث» النص الشيكسبيري، والفيلم الذي انجزه جاستين كورزيل، عن الخيانة او المؤامرة او حب السلطة، كما ليس هو نصاً- فيلماً عن «دهاء» المرأة او دليلاً على مقولة مناهضي المرأة، الذين يرون فيها «اصل البلاء، وأن وراء كل حدث جلل امرأة»، بل هو نص – فيلم عن الأمانة والثقة، فأنْ تمتدَّ يد ربّ البيت لتقتل من ائتمنه على حياته ونام قرير العين مُقتنعاً بأن ذلك السقف سيحميه، يعني انّ ذلك الشخص اقترف الخطيئة الأكبر على الاطلاق، وسيظل المغدور به ماثلاً على الدوام أمام ناظري ذلك القاتل، وعبثاً يحاول الإتيان بما جزّت ذراعه من الرقاب في ميدان الوغى او قتل بسلاحه، وعبثاً يحاول تغطية الجريمة الأولى بجرائم تالية، فدم المغدور ثقيل ولا طاقة لأي كاهل مهما كانت متانة عضلاته من احتمال أوزاره.

رمادي يتحوّل أحمرَ قانيَ اللون
ثمة في الفيلم تصاعد في حالة الهوس التي تجتاج ماكبيث، تقوده نحو الجنون المطلق، وحالة الرعب غير القابلة على الاحتمال التي تقود ليدي ماكبيث صوب الانتحار، ويترافق ذلك مع تبدّل متواتر لدرجات اللون في الصورة، فما كان ابتدأ رمادياً بلون الطين الملطّخ بسواد الحديد يتحوّل في النهاية إلى أحمرَ قانٍ، يلفّ الجميع إلاّ الصبي، ابن رفيق ماكبيث «باركو» الذي خطّط الملك مغتصب التاج قتله ليمنع تحقّق نبوءة «الساحرات الثلاث» اللاتي تنبأن بباركو ملكاً على عرش اسكتلندا وماكبيث دوقاً. ذلك الصبي، وريث النبوءة والعرش، نجا من الموت بعد ان غدر ماكبيث بوالده الذي قرر الهجرة والهرب لاكتشافه، او افتراضه جريمة ماكبيث.
مثير للاهتمام حقاً كيف يُعالج المخرج ايقاع ركضة الصبي للخروج من ذلك الميدان الملطّخ بالدم، فهو يبدأ ركضته ببطء متثاقل، تتحول خطواته الى ركضة مُسرّعة بالمونتاج، وكأن تلك الركضة إعلان، او حتى صرخة دونما صوت لإعلان البراءة من كل ذلك الركام الهائل من الدم الناتج عن خطيئة القتل الغادر.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة عكد الهوا الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.