نجيب محفوظ الوجودي !!..

قراءة
أخر تحديث : الأربعاء 21 أبريل 2021 - 8:25 مساءً
نجيب محفوظ الوجودي !!..
✍ د . ياسر البراك
تستهويني العودة – بين الفينة والأخرى – لقراءة بعض الأعمال الأدبية التي سبق وأن قرأتها في عمر مبكر من حياتي ( الدراسة المتوسطة ) ، وفي مقدمة تلك الأعمال روايات نجيب محفوظ التي كان لها الأثر الكبير في معرفتنا الدقيقة بالشخصية المصرية وتحولاتها السوسيو – ثقافية ، ومن بين تلك الروايات رواية ( الشحاذ ) التي أنهيت قراءتها ليلة أمس وفي أجواء رمضانية تغري بالسهر والقراءة .
في هذه الرواية التي صدرت سنة 1965 يقتفي محفوظ أثر الروايات الوجودية التي كتبها كل من ( ألبير كامو ، جان بول سارتر ، سيمون دي بوفوار ، كولن ولسون ) وغيرهم من الكتاب الوجوديين الذين ضجَّت رواياتهم بالأسئلة الوجودية الكبرى التي تتحدث عن فلسفة وجود الإنسان في هذه الحياة ، ومغزى الموت بعد رحلة الحياة تلك ، وجدوى ذلك الوجود العبثي الذي لا يزيد الإنسان إلا تعاسة وشقاءً .
محفوظ يعيد إنتاج الأسئلة ذاتها عبر شخصية الرواية المركزية ( عمر الحمزاوي ) المحامي الذي فجأة يشعر بالإنفصال عن عائلته وأصدقاءه ومحيطه العملي والإجتماعي ، ويذهب في رحلة إيروسية معتقداً أن الجسد ولذته وإشباع شهواته يمكن أن يُعيد للروح الميتة نبضها والإجابة على أسئلتها المقلقة .. رحلة التيه تلك لا تزيد حمزاوي إلا غربة وضياعاً يؤدي في النهاية الى خسرانه لكل شيء .. ذاته ، وعائلته ، وأصدقاءه ، وحتى حياته .
إعادة قراءة الرواية قادتني الى إعادة مشاهدة فيلم ( الشحات ) المأخوذ عنها والذي أخرجه حسام الدين مصطفى سنة 1973 من بطولة محمود مرسي ومريم فخر الدين وأحمد مظهر ونيلي وشويكار ، وهو فيلم يقتفي أثر الرواية مشهداً مشهداً وحدثاً حدثاً من دون أن يتقاطع مع مسارات السرد الروائي إلا في حدود ضيقة جداً . لكن الأهم في هذا الفيلم أنه يقدم إيقاعاً بصرياً مقبولاً ويُغري بالمتابعة على الرغم من الحوار الذهني الذي إجتهد فيه السيناريست ( أحمد عباس صالح ) محولاً إياه من اللغة الفصيحة الى اللهجة المصرية من دون أن يؤثر على الأفكار أو التساؤلات الفلسفية التي تشكل محمولات الحوار في الرواية ، فضلاً عن ذلك فهو يقدم أداءً إستثنائياً للممثل محمود مرسي في شخصية عمر الحمزاوي الذي يمنح مشاهد الفيلم متعة قلَّ نظيرها بين ممثلي السينما المصرية .
إعادة قراءة الرواية ومشاهدة الفيلم المأخوذ عنها تجربة أمدَّتني بالكثير من المتعة الذهنية والبصرية ، وأعادت لي حرارة تجربة المراهقة عندما كنا نسأل أنا وأبناء جيلي الذين قضوا معظمهم في الحروب العبثية تلك الأسئلة الوجودية التي كانت تؤرقنا بداية تفتح وعينا الثقافي والإجتماعي .. أسئلة الحمزاوي التي لم يجد لها إجابات واضحة في الرواية وبقي ( يشحت ) المعرفة حتى اللحظات الأخيرة من حياته ..
تجربة سأحاول إستعادتها مع روايات أخرى ، وربما أفلام سينمائية يمكن لها أن تمنحنا الفرصة لقراءة العالم ، والناس ، والواقع بشكل مختلف عن ما قرأناه في بواكير حياتنا بعد رحلة البحث المضنية التي مازلنا في خطواتها الأولى .
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة عكد الهوا الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.