طارش رحت للبصرة..

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 17 مارس 2021 - 8:27 صباحًا
طارش رحت للبصرة..

د محمد السهر

قراءة سوسيو- ثقافية
……..
بعيداً عن مقص الرقيب،وعن لجان فحص النصوص والألحان في الإذاعة والتليفزيون؛كان هناك نوع من الأغنية العراقية يعمل في الظل؛ إذ كان ينتشر من خلال التسجيلات الشعبية ليصل إلى المتلقي الذي كان يستعذب الاستماع لمثل هذا النوع من الغناء ويطرب له..كما أن هذا اللون كان ينتشر بكثرة في حفلات الأفراح التي كانت تقام في الريف العراقي حينذاك؛ وتعتمد تلك الأغاني على كلمات شعبية بسيطة،وألحان يلعب الإيقاع بها الدور الرئيس،كما أن الجمهور يشترك مع المطرب ليؤدي دور الكورس الذي يردد الكلمات الأخيرة في كل مقطع..
……
وفي هذا المنشور أحاول تحليل مضمون نص أغنية شعبية عراقية قديمة تعود إلى بداية سبعينيات القرن الماضي عنوانها( طارش رحت للبصرة) من كلمات،وألحان،وغناء المطرب الريفي عبادي العماري…
…….
تبدأ الأغنية بشرح المطرب لمواصفات الجمال التي كانت تحملها فتاة قدمت مع أهلها من مدينة الحلة إلى مدينة الثورة التي كانت قد أُنشئت منذ سنة واحدة فقط بأمر من الزعيم عبد الكريم قاسم لتستقطب المهاجرين خصوصاً النازحين من منطقة العمارة؛ يقول المقطع الأول منها:
خشف الأجه من الحلة حط بالثورة بس تنظر لعينه تموت..
لا بالمجر مثله ولا بالبصرة..
لا بالنجف لا بالكوت..
من حيث أشقر والوجه اسمر حلو حنطاوي
وعيونه سود مكحلات بتكحيل رباوي
مخلص كلامي بالوصف هو منين؟
حلاوي
الحلاوي أعظم من دقايق خضره
يطلع فوت..
لا بالنجف.. لا بالكوت
وهنا نعلم أن تلك الحلاوية قد ملكت فؤاد الرجل، وأنه لم يرى لها مثيلاً في المجر التي كان يسكن فيها وهي مدينة جميلة تقع في اهوار العمارة،ولا في النجف وريثة الكوفة عاصمة الدولة الإسلامية،ولا في الكوت وريثة مدينة واسط التي بناها الحجاج لتكون وسطا بين الكوفة والبصرة،وموقعاً عسكرياً مهماً ومحورياً لانطلاق الحملات العسكرية نحو بلاد الري،وما وراء النهر..
…….
في المقطع الثاني يؤكد الشاعر والمغني عبادي العماري إعجابه المنقطع النظير الذي تحول إلى ولع شديد ببنت الحلة تلك التي رآها في المدينة الجديدة( الثورة)..
يا ناس أبو الحله شفت عنده عيون يرمن على العالم نبل..
حين الشفتهن خلن براسي جنون خلني أركض بالوحل..
يكولون هذا مجنون المايدرون شبيه من عمل
وبعيون أبو الحله انصبت تيه دليل افكاره
وما يندل درب بيه يفوت..
لا بالنجف لا بالكوت
أكثر ما تأثر به الشاعر عيني تلك الفتاة الحلاوية التي كانت ترمي بهما النبل والسهام على كل من ينظر إليهما؛ أما الشاعر فلقد بلغ به الحال أن يُصاب بلوثة عقلية جعلتهُ يجري في الطين؛ وبينما كان الناس يشيرون إليه بالجنون،كان هو يبرر سبب جنونه:
بعيون أبو الحله انصبت تيه دليل افكاره..
…….
ينتقل الشاعر في المقطع الثالث ليشرح لنا كيف انتقل مع أهله من منطقة المجر إلى بغداد في شهر أيلول من العام 1959؛ أي بعد مضي سنة وشهرين على قيام ثورة تموز 1958 ،وتأسيس الجمهورية الأولى:
يا ناس أنه من أهل العمارة وبالمجر عشت اسنين..
تحولت لبغداد بتاسع شهر من سنة تسعه وخمسين..
وبلوا العماره عاشرت بيض وسمر وتنوعت الهن زين..
تره ما يملكن من حسنه ربع الذره ولا وحق يونس واللي نجاه من الحوت..
لا بالنجف …لا بالكوت
وهنا يصف الشاعر جمال أبو الحله كما يسميه هو،يصفه بأنه خارق للعادة لم يرى له مثيلاً في المنطقة التي كان يسكن فيها قبل نزوحه إلى بغداد؛ على الرغم من وجود الحسناوات هناك من بيض، ومن سمر إلا أنه يُجزم أنهنّ بمجموعهن لا يعدلن مقدار ربع الذره من حسن وجمال أبو الحله هذا،ويقسم الشاعر على رأيه هذا بالنبي يونس،وبمن أنجاه من بطن الحوت..
….
في المقطع الرابع نصل مع الشاعر إلى العام 1962؛ لكنه ليس له علاقة باحداث تلك السنة في العراق؛لا إنجازات الثورة،ولا محاولة اغتيال الزعيم عام 59، ولا حركة الشواف،ولا الصراع الدامي بين الشيوعيين،والبعثيين؛ كان قلب الرجل وعقله منشغلين ببنت الحلة التي شاهدها تمشي في أحد شوارع مدينة الثورة ذات يوم من العام 1959..يقول في المقطع الرابع:
سنة الاثنين وستين طارش رحت للبصرة خلصت بيها مشوار…
وما بين غمزه ولمزه تعارفت آنه وزهره بالسوك مال العشار..
وزهره بحسنها حور نزلت قدره، مصنوعه من نور ونار..
وبس أبو الحلة اللي نزل بالثورة طالع فوت
لا بالنجف لا بالكوت..
إن سفرة صاحبنا إلى البصره عام 1962 تمخض عنها التعرف على فتاة جديدة بصرية هذه المره،كانت كما يصفها أنها مصنوعه من نور ونار…ولكن ومع كل ما تمتلكه تلك البصرية من جمال إلا أنها لا يمكن المقارنة لها مع بنت الحلة..
….
وأخيراً وعند العام 1963 تم تزويج هذا الشاعر العاشق ببنت جبار من أهالي الثورة؛ لم يذكرها باسمها مثل زهرة؛ لكنه يقول أنهما استمرا بمحبتهما حتى ظهور هذه الأغنية بداية سبعينيات القرن الماضي؛ ومع أن بنت جبار كانت تعادل عشرة من البيض،ومن السمروات عشرين؛ ومع أنها تملك ابتسامة ساحرة،ونظرة آسرة تعادلان ألفين من الابتسامات والنظرات إلا أن أبو الحله إذا ما نظر لبنت جبار هذه،فإن بنت جبار يصيبها السل وتموت؛
سنة الثلاثه وستين حبيت أنه بت جبار بالثورة
ولليوم واحنه محبين..
ولو قارنت بت جبار بالبيض تسوه عشره،وبالسمر تسوه عشرين..
بنت جبار عدها ابتسامه ونظره تسوه ألف بسمه وعين..
بس أبو الحله لو نظر لبت جبار
بت جبار تسل وتموت
لا بالنجف… لا بالكوت..
….
يذهب العالم جون بولبي صاحب نظرية التعلق؛ إلى أن الناس في علاقاتهم الغرامية يكونون خاضعين لطريقة تنشئتهم في الصغر؛ ومن الطبيعي أن يكون لبيئة الأهوار التي نشأ وتربى فيها عبادي العماري؛ تلك البيئة التي كانت ساحرة وآسرة قبل أن تلوثها السياسة،والاستعمالات الفظة للمياه العذبة؛ كان لتلك البيئة الخلابة الأثر الأكبر في تربية ذائقة الإنسان؛ إذ بحيرات المياه الزرقاء،وغابات القصب والبردي،وظلال النخيل،وأنواع الطيور المهاجرة التي كانت تأتي من أوربا كل شتاء،وجمال المرأة التي يصف أحد الشعراء ضحكتها( مثل روجات المشرح ترف ضحكاتك وأحلى)؛ تمتزج صور كل ذلك في مخيلة الإنسان،وتصقل شخصيته،وتربي ذائقته..
لكن في المقابل كان الإقطاع يلقي بظلاله الثقيلة هناك؛ الأمر الذي دفع بعشرات آلاف الفلاحين الفقراء وعائلاتهم ومنذ أربعينيات القرن الماضي بالنزوح إلى بغداد العاصمة الجميلة التي كانت تنمو بسرعة،وعندما وصل عبد الكريم قاسم إلى السلطة كانت واحدة من إنجازاته جمع هؤلاء النازحين في مدينة جديدة أطلق عليها أسم الثورة تيمناً بثورة 14 تموز 1958؛ تلك المدينة التي أصبحت فيما بعد منجماً للفنانيين،والرياضيين،وأصحاب المهن،والمهارات الأخرى..
محمد السهر
16 آذار 2021
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة عكد الهوا الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.